تخيل معايا الموقف ده: بتتألم، محتاج تروح لدكتور ضروري، بس تلاقي نفسك واقف في طابور الانتظار لساعات طويلة. وفجأة، تلاقي ناس تانية بتدخل جوا من غير ما تستنى، بكل بساطة لأنهم دفعوا فلوس زيادة. انت مش غلطان لو حسيت إن في حاجة غلط. السؤال اللي بيطرح نفسه بقوة: هل بقى في رعاية صحية درجتين من غير ما حد يصرح بصراحة؟ الأمر مش مجرد “كدا كدا الدنيا غالية”، الموضوع أعمق بكتير، وهو بيخلق فجوة في نفس المريض العادي. خلينا نكشف اللي بيحصل فعلاً.
إزاي بقى الوصول للعلاج أصبح لعبة؟ بكل بساطة، أنت بتدفع عشان تتخطى الناس. بقى في ناس مستعدة تدفع أكتر عشان تحصل على الأولوية، وده حرفيًا بيسموه دفع مقابل تخطي الطابور. المصيبة إن الموضوع مبقاش سر ولا حاجة، بقى سياسة معلنة في بعض العيادات. هل ده تصريح غير مباشر إنه فيه نظام صحي مزدوج بدأ يشتغل فعلاً؟ لأ، مش بنقول إنه خلاص النظام انتهى، لكن بنقول إن الخط الفاصل بين الخدمة الممتازة والخدمة العادية بقى أوضح من أي وقت مضى.
أنا مرة كنت في عيادة في القاهرة، كنت مستني دوره عادية. لقيت واحد دخل من جنب الكل، قال للريسبشن “حجز VIP”. خلال ١٠ دقايق كان خلص وخرج! حسيت كأني في مطعم، مش مستشفى. المبدأ واحد: فلوسك بتحدد مدى سرعة علاجك. طب مين المسؤول عن ده؟ الحكومة؟ القطاع الخاص؟ ولا احنا اللي بنرضى بالوضع ده بصمت؟

خلينا نكون صرحاء: أنا مش ضد الطب الخاص. الناس اللي تقدر تشتري خدمة أفضل، ليها الحق. لكن المشكلة بتبقى لما اللي مش قادر يدفع يفضل يعاني. في دراسة أمريكية قديمة، قالوا إن حوالي 42% من الناس قالوا إنهم ألغوا مواعيد طبية لأنهم مش قادرين ينتظروا. تخيل بقى لو في نظام واضح بيقولك: عشان تاخد موعد النهارده، ادفع 500 جنيه زيادة. ده مش طب، ده مزاد!
المشكلة الأخلاقية هنا كبيرة. هل أولوية الرعاية الصحية المفروض تتحدد بالحاجة ولا بالفلوس؟ لما واحد عنده جلطة يدخل قبل واحد عنده زكام، ده منطقي. لكن لما واحد عنده فلوس يدخل على واحد عنده جلطة، ده غلط. احنا بنشهد ولادة طب خاص بدون تصريح، بيشتغل تحت مسميات “خدمة سريعة” أو “حجز استثنائي”. الفكرة إنها بقت منتشرة في كل حتة، من مستشفيات الجامعة للعيادات الخاصة.

حابب أوضح حاجة: أنا بشوف الموضوع من منظورين. الأول: إن ده ممكن يحسن الخدمة بشكل عام، لأن المنافسة بتخلي المستشفيات تطور نفسها. التاني: إنه بكل بساطة بيقسم المجتمع لفئتين: اللي عنده فلوس يعالج، واللي ماعندوش يستنى. وده مش مبدأ أي دولة عادلة. سؤال ليك: لو كنت في طابور طويل جدًا، هتدفع عشان تتخطاه ولا هتستنى عشان المبدأ؟ فكر فيها كويس، لأن الإجابة بتحدد انت مع النظام الجديد ولا ضده.
واحدة من أكبر الحيل النفسية اللي بيستخدمها النظام ده هي فكرة “الندرة المصطنعة”. يعني المستشفى يقفل الحجز العادي عمدًا، ويقولك “لأ، ما فيش مواعيد إلا بعد شهر”، وفجأة بتيجي عروض “الخدمة الفورية” بفلوس زيادة. ده مبدأ اقتصادي اسمه خلق الطلب. انت بتتألم، وهم بيلعبوا على عواطفك. المثل اللي بيقول “الوقت من ذهب” بقى حقيقة في عالم الصحة.
خلينا نضرب مثال واقعي: في إنجلترا، الـ NHS معروف إنه مجاني، لكن زادت مشكلة الطوابير لدرجة إن ناس كتير بدأت تدفع في العيادات الخاصة عشان تتخطى تجاوز الطوابير. في أمريكا، الموضوع موجود من زمان في شكل التأمين الصحي الممتاز. الفرق إنه هناك مكشوف وواضح، لكن هنا في العالم العربي، الموضوع بيحصل بهدوء، تحت ستار “الخدمة الإضافية”. لو سالت أي مدير مستشفى، هيقولك “احنا بنحسن الخدمة”، لكن الحقيقة إنهم بيخلقوا فجوة.

ليه الموضوع خطير على المدى الطويل؟
المشكلة مش في النهارده. المشكلة في بكره. لما الأغنياء ياخدوا كل الخدمة الممتازة، والفقراء يستنوا ساعات، ده بيزود الفجوة الاجتماعية. كمان بيأثر على ثقة الناس بالنظام الصحي. أنا بشوف ناس بتستسلم وتروح لدكاترة نص نص، عشان بس ما يعانيش في الطابور. وده بيرفع نسب الأخطاء الطبية ويزود التكلفة على المدى البعيد.
إحصائيات بتقول إن في بعض الدول، الناس اللي بتدفع عشان تاخد أولوية الصحة بتوفر 30% من وقت الانتظار. الرقم ده يعني إن في ناس تانية بتستنى أطول! ما فيش وجبة مجانية في العالم ده. كل ما واحد يتقدم، واحد يتأخر. اللي بيدفع كأنه بيشتري وقت من المريض التاني.
إيه اللي ممكن تعمله كفرد؟
- اسأل: قبل ما تدفع، اسأل إذا كان في نظام رسمي لحد أولويات ولا ده مجرد بينهم.
- اقارن: شوف أسعار العيادات المختلفة. مش كل عيادة تطلب فلوس زيادة تستاهل الدفع.
- تكلم: لو شفت تجاوز غير قانوني، بلغ عنه. الحق مش رفاهية.

